ابن الوزان الزياتي

637

وصف افريقيا

دقيقة تلقّت فيها ضربات من صاحبها . وعندما تأخذ أحدا بين أسنانها فهي تدعه يسقط ثم تدوسه بعنف بمقدمة قوائمها . ولا تظل في حالة الهيجان هذه سوى أربعين يوما وتعود لهدوئها بعدئذ . وتتحمل هذه الحيوانات العطش وتصبر على الجوع . فهي تستطيع أن تبقى مدة خمسة عشر يوما دون شراب ودون أن يؤذيها ذلك . وإذا سقى أحد هذه الإبل مرة كل ثلاثة أيام ، فإن هذا سيؤذيها ، لأنها اعتادت ألّا تشرب إلّا كل خمسة أيام أو مرة كل تسعة أيام . وتستطيع أن تبقى منتظرة مدة خمسة عشر يوما إذا اقتضت الضرورة ذلك . ولدى الجمال حساسية عاطفية طبيعية وتملك بعض العواطف الانسانية . وعندما يحدث للذين يقودونها على الطريق بين ايثيوبيا وبلاد البربر أن يضطروا في بعض المرات أن يتوقفوا في مرحلة أكثر من العادة ، وعندما يرون أن جمالهم لا تريد السير لأبعد من ذلك ، فلا يضطروها للمشي بضربات العصي ، بل ينشدون لها بعض الألحان الخاصة . وتشعر عندها هذه الحيوانات بسرور كبير حتى أنها تتابع طريقها بسرعة تفوق سرعة حصان مدفوع بالسوط أو بالمهماز ، وبسرعة تجعل رجال القافلة يجدون صعوبة في اللحاق بها . وقد رأيت في القاهرة جمالا ترقص على نغمات الطبل . وقد شرح لي صاحبه كيف درّبه . وإليك ما فأم به . فقد اختار قعودا وحبسه مدة نصف ساعة في غرفة مبنيّة كأنها غرفة حمّام ، وكانت أرضيتها مدّفأة بواسطة موقد . وفي خلال هذا الوقت كان يقف الرجل خارج الحجرة ويلعب بدقّ الطبل . وكان الجمل يرفع رجلا ويخفض أخرى ، كما لو كان يرقص ولكن ليس بسبب هذه الموسيقى بل بسبب السخونة التي كانت تؤلمه . وبعد عشرة أشهر أو سنة من هذا الترويض ، قاد الرجل هذا الجمل إلى الساحة العامة ، وما أن يسمع هذا قرعات الطبل ، حتى يظن أنه فوق الأرض التي كان عليها وذلك بسبب تذكّره حرارة النار التي كان تلسع خفّيه ، فيروح يرفع قوائمه بنفس الطريقة ، حتى ليبدو وكأنه يرقص . وبما أن العادة طبع ثان ، فإن الجمل لن ينس مطلقا هذه العادة المذكورة . ويمكنني قول الكثير من الأشياء عن الجمل وسأضرب عنها صفحا كيلا أكون مملا .